حبيب الله الهاشمي الخوئي
346
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فوق التمام ، وجميع صفات الجلال والجمال والكمال حاصلة له بالفعل وواجب الحصول أزلا وأبدا ، ومن هذا شأنه فكيف يتصوّر أن يكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره ، فلا بدّ أن يراد بحبّه عزّ شأنه لعبده معنى آخر . وقد اختلفوا في تقريره وبيانه بوجوه يقرب بعضها من بعض . فقال صدر المتألَّهين : إنّ المحبة تابعة لادراك الوجود لأنه خير محض فكلّ ما وجوده أتم كانت خيريّته أعظم والادراك به أقوى والابتهاج به أشدّ ، فأجلّ مبتهج بذاته هو الحقّ الأوّل ، لأنه أشدّ إدراكا لأعظم مدرك له الشرف الأكمل والنور الأنور والجلال الارفع ، فمحبة اللَّه لعباده راجعة إلى محبّته لذاته ، لأنه لما ثبت أنّ ذاته أحبّ الأشياء اليه تعالى وهو أشدّ مبتهج به وكلّ من أحبّ شيئا أحبّ جميع أفعاله وحركاته وآثاره لذلك المحبوب ، وكلّ ما هو أقرب إليه فهو أحبّ إليه ، وجميع الممكنات آثار الحقّ وأفعاله فاللَّه يحبّها لأجل ذاته ، وأقرب المجعولات إليه تعالى الرّوح المحمّدى صلَّى اللَّه عليه وآله فكان عليه السّلام حبيب اللَّه وأحبّ الخلق إليه ، انتهى . وقال الغزالي بعد ما ذكر أنّ المحبّة عبارة عن ميل النّفس إلى الشيء الموافق ما لفظه : فأما حبّ اللَّه للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا ، بل الأسامي كلَّها إذا أطلقت على اللَّه تعالى وعلى غير اللَّه تعالى لم تطلق عليهما بمعنى واحد أصلا حتى أنّ اسم الوجود الذي هو أعمّ الأسماء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد ، بل كلّ ما سوى اللَّه تعالى فوجوده مستفاد من وجود اللَّه تعالى ، فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع ، وإنما الاستواء في إطلاق الاسم ، فكان استعمال الأسامي في حقّ الخالق بطريق الاستعارة والتجوّز والنقل ، والمحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملايم . وهذا إنما يتصوّر في نفس ناقصة ، فإنها تستفيد بنيل ما يوافقها كمالا فتلتذّ بنيله ، وهذا محال على اللَّه تعالى ، فانّ كلّ كمال وجمال وبهاء وجلال ممكن